حمان ووهم الثراء
(الثامنة صباحا) يغادر حمان فيلا فاخرة ويمتطي سيارة فخمة وهو بلباس أنيق، يتوجه صوب وكالة لتسليم الأموال، والتي خرج منها محملا بمبالغ مالية ضخمة، فحمان محظوظ بتوفره على إخوة له بالمهجر يعملون باستمرار على مده بالمال على أساس رعايته لوالدته التي تقطن معه بالفيلا، وكذا حراسته لممتلكات العائلة بالمدينة.
يعمل الأستاذ حمان أستاذا للرياضيات بإعدادية بلدة تبعد عن محل سكناه ببضع كيلومترات، وعرف لدى جميع أهل البلدة وكذا لدى جميع معارفه بالثري المسرف، لم يكن أحد يعلم كون الفيلا السكنية التي يسكنها وكذا السيارة الفخمة التي يمتطيها باستمرار تعود ملكيتهما لأشقائه بالمهجر، لا يتوقف عن معاقرة الخمور رفقة أصدقاءه الذين يجدون فيه خير رفيق لسخائه.
أما سعاد، ( وحيدة أبويها ) فهي فتاة تقطن غير بعيد عن حمان، بحيث يقع بيت أسرتها على نفس الطريق المؤدية لمقر عمل حمان، خلال زيارة سعاد للمدينة توجهت إلى إحدى المكتبات، وبعد بحث قصير اهتدت إلى كتيب قانوني يحمل مواد مدونة الأسرة، اقتنته بدون تردد، وبدأت تحفظه عن ظهر قلب، فيما تقول باستمرار كلما جمعها نقاش مع قريناتها أنها تحلم بزوج ثري يوفر لها جميع رغباتها، وأنها سوف لن تتنازل عن أبسط حق من حقوقها التي تكفلها لها مدونة الأسرة، تعيش سعاد رفقة والديها اللذان يمنحانها كل الحب، ويوفران لها كل حاجياتها، مما جعلها تكون مدللة بشكل زائد عن اللزوم.
مباشرة بعد عودة حمان من وكالة إرسال الأموال، تلقى مكالمة هاتفية من صديقه المختار الذي تحدث معه بنبرة احتجاج عن تخلفه عن موعد الأمس، ولامه عن ذلك، أكد عليه في الأخير ضرورة الالتزام بالحضور لمرافقته طيلة الليلة القادمة في سهرة لن تنتهي إلا بحلول الصباح.
أنهى حمان مكالمته الهاتفية ، وتوجه على مثن سيارته نحو مقر عمله بإعدادية تقع بقرية قريبة ، التي وصلها متأخرا.
أشعل الأستاذ حمان سيجارة وشرع يجري مكالمة هاتفية وهو واقف أمام إحدى نوافذ القسم فيما التلاميذ يوشوشون :
- آلو، محمد ؟ أين كنت بالأمس ؟ انتظرتك طيلة المساء
صمت و استماع
- المهم، اليوم عند السادسة سأكون جاهزا، اتصل بي سعيد ، سيكون حاضر الليلة
صمت و استماع
- لا ، لا ، فيما يخص المال ، لا تهتم ، كل شيء موجود.
صمت و استماع
- طيب، لا تنسى الموعد.
في الوقت الذي كان الأستاذ يجري المكالمة، كان عابد (وهو رجل في الأربعين من عمره يرتدي ثيابا مزركشة ووسخة،مبعثر الشعر ، أغبر ، كثيف اللحية يحمل بيده جدع نخل ويلف حول عنقه شالا أزرقا، وعلى كتفه وعاء جلدي قديم ) يراقب الأستاذ حمان وهو يجري مكالمته الهاتفية .
بمجرد أن أنهى الأستاذ مكالمته الهاتفية ورمى عقب السيجارة خارج القسم استدار نحو التلاميذ وسألهم عن تاريخ اليوم :
التلاميذ يرفعون أصابعهم في حماس:
- أستاذ ..استاذ ..أستاذ..أستا..
الأستاذ يشير بأصبعه لتلميذ بالصف الأمامي.
- الخميس 25 أكتوبر 2007
خط الاستاذ التاريخ على السبورة ثم استدار من جديد جهة التلاميذ
- موضوع درسنا اليوم حول الاختزال.
**********
طريق غير معبدة تربط بين الإعدادية والدوار ، بينما الأستاذ حمان يغادر بسرعة على مثن سيارته الفاخرة، الأستاذ علي (معلم عرضي بمدرسة فرعية محادية لمقر عمل حمان، في الثلاثين من عمره ، وسيم ، متوسط الحال حسب ما يبدو من ملابسه ، ينتعل حداء جلديا متواضعا ، ويضع قبعة واقية من الشمس ) يتأبط محفظته ، ويشق الطريق على مثن دراجته الهوائية في اتجاه بيته عائدا من المدرسة .
تطاير الغبار نتيجة السرعة التي مرت بها سيارة حمان ، فيما علي ينفض الغبار بيده .
********
منظر عام ( ترافقه موسيقى صامتة)، رجال جالسون تحت حائط إحدى البيوت بالدوار يلعب بعضهم لعبة ( الضامة ) فيما الآخرون يتفرجون، ثم منظر أربع فتيات يحملن فوق ظهورهن ورؤوسهن أوعية ماء ، وأطفال عائدون من المدرسة وعلى ظهورهم محافظ ثقيلة كما يبدو من طريقة مشيهم .
علي يفتح باب منزله، يدخل ويرمي بمحفظته جانبا، ثم يبدأ بتجهيز أكلة خفيفة وعلامات الإنهاك بادية عليه، ثم يجلس حول المائدة ، وحوله تبعترت مجموعة من الكتب والأوراق ..
فيما حمان الذي يسكن بالمدينة ،يعرج على مطعم فاخر ويجلس حول مائدة ثم ينادي على النادل الذي حضر بسرعة وسجل قائمة طلبات حمان ..
علي ، بالكاد يستطيع تأمين حاجياته الأساسية من الأكل والشراب ، فيما حمان يبدر الأموال دون حساب هنا وهناك..
بمجرد أن أنهى علي تناول غدائه قام وتوضأ وأدى صلاة الظهر ثم استسلم لغفوة نوم نتيجة الإرهاق بسبب طول مسافة الطريق بين المدرسة والبيت والعياء الناتج عن الجهد الذي يبدله في العمل.
أما حمان ، فما كاد يفرغ من الأكل حتى سمع رنين هاتفه ..
آلو ؟
….
أهلا أهلا ، أهذا أنت ؟ لا بد أن السماء ستمطر ما دمت قد تذكرت واتصلت
…..
أين أنت الآن ؟
…..
انتظرني ، لا تغادر ، دقائق وأكون هناك.
نادى حمان النادل الذي أمده بفاتورة الأداء فأجزل له العطاء وغادر مسرعا…
كان جواد ،صديقه القديم هو المتصل ،التحق به حمان بحانة وسط المدينة ، تعانقا كأي مراهقين ..
- أهلا حمان ، كيف حالك ؟ ما هذا الغياب ؟
- يا أخي انت من غاب ، وقد غيرت رقم هاتفك ايضا .
- أنت تعرف يا حمان ، المشاكل تفرض عليك تغيير عنوانك أيضا وليس فقط رقم هاتفك.
- المشاكل ؟ ما الأمر ؟
( النادل يقدم مشروبات كحولية، ويحيي حمان بطريقة مميزة)
جواد ينتظر مغادرة النادل ثم يستأنف الكلام :
- تذكر تلك الفتاة التي كانت تكتري منا المحل العلوي ؟
- بطبيعة الحال ، ماجدة ، ماذا بها ؟
- اللعينة ورطتني في مشكل كبير
- ورطتك ؟ كيف ذلك ؟
- الموضوع طويل ، ومللت من حكيه ، بل أصبحت لا أطيق ذلك.، لا عليك انس الأمر ، حدثني عنك ، هل من جديد ؟
- أنت تعرف طبيعتي ، من البيت إلى العمل ، ومن هناك إلى أقرب حانة حيث أقضي معظم وقتي ، وهكذا يوميا .
- أنت محظوظ يا حمان ، يا ليتني متلك.
- وماذا سيبقى لي ، افضل أن أمتع نفسي على أن أعرضها للرتابة والملل.
( موسيقى صاخبة تحجب حديتهما )ثم منظر خارجي ، والوقت مغرب الشمس ، لحظات و يعم الظلام .
وفي طريق تربط بين المدينة والقرية كان عابد يسير ، في الوقت الذي التحق به الحاج العربي ( رئيس الجماعة بالقرية ) وهو على مثن سيارته ، يتوقف ويطلب من عابد الركوب معه ، فبالرغم من كون الحاج العربي مزاجي ، ومعروف بتسلطه بالقرية ، ارتأى أن يصطحب معه عابد ، لا لشيء سوى لكونه يحتاج لمؤنس في طريقه إلى البلدة ، جلس عابد ، وينظر بشكل مثير لجانب الطريق منتشيا بركوبه سيارة الرئيس .
الحاج العربي : أين كنت يا عابد في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟
عابد : كنت في المدينة ، ولكن بلدتنا أفضل ، هناك ، لا أحد يرحم الآخر ،والناس يركضون طيلة اليوم بشكل فوضوي ، أما بلدتنا فالناس منظمون ، ويرحمون بعضهم البعض .
الحاج العربي : معك حق يا عابد .
طلب عابد من الحاج العربي أن يتكرم عليه بشراء لباس جديد بمناسبة حلول العيد، واشترط عليه أن يكون بنفس اللون الرمزي لحزبه ، وهو ما سر له الحاج العربي.
********
(الوقت : صباحا ) منظر سوق قروي ، صوت نداء تجار الخضر والملابس ، رجال وأطفال وشيوخ يجوبون السوق ذهابا وإيابا ، يتبضعون ، منظر مستوقف للدواب ، وحارسها يستخلص رسوم الحراسة ، أصوات مختلطة ، منها موسيقية ، وأخرى لأشخاص ، وأصوات أخرى منبعثة من مكبرات الصوت..
عابد يتوقف عند بائع أحدية ،يتفحص حداء ويسأل البائع :
كم هذا ؟
البائع ينظر إلى عابد ، ثم يضحك .
عابد : قلت لك كم هذا ، ألا تسمع ؟
البائع : لك أنت يا عابد ؟ 80درهما
عابد : 80 درهم ؟ لواحد أم لكليهما ؟
البائع : يا لك من أحمق ، ابتعد مني .
عابد : ألا تريد أن تبيع ؟ هاهو المال ( ينحني ويستخرج ورقة نقدية من جوربه ويشهرها في وجه البائع)
البائع ( يرفع عصا ويهدد عابد) ابتعد وإلا هشمت أضلعك.
عابد يركض بعيدا ثم يلتقي بالحاج العربي .
عابد ؟ تسوقت ؟ خذ هذه ، في المساء ستصلك الأمانة التي طلبتها مني .
عابد يتسلم الورقة النقدية ويقبلها ثم يدسها في جوربه و يركض بعيدا.
أما الحاج العربي فقد التقى بشخص يرتدي لباسا تقليديا ، وبدآ يتجاذبان أطراف الحديث فيما بينهما فيما صوت رواد السوق يخفي موضوع حديثهما.
أما عابد فقد عاد إلى بيته حاملا معه كيسا مملوءا بالخضر وبعض حاجياته ، دخل بيته وبدأ يتفقد مشترياته ، لحظة غروب الشمس سمع طرقات على باب بيته ، هرول وفتح الباب فإذا به أمام خادم الحاج العربي يمده بكيس ويقول له :
خذ يا عابد ، السيد الرئيس أرسل إليك هذا .
أخد الكيس ، وتفحصه ، ثم أقفل الباب دون أن ينبس بكلمة .
هم بارتداء لباسه الجديد الحامل لنفس اللون الرمزي لحزب الرئيس ..
صعد إلى السطح وبدأ ينظر إلى السماء ، ثم يقول :
متى ستشرق الشمس ؟
نزل عابد من على السطح وهرول خارجا ، ثم شرع يطرق أبواب البيوت ، وينادي بأعلى صوته :
من لديه لباس جديد فليرتديه فالشمس لن تشرق اليوم وبدأ يكرر كلامه.
********
منظر خارجي ، أطفال يركضون هنا وهناك ، أهل الدوار يتبادلون تهاني العيد.
ومنظر عابد يركض مرتديا ملابسه الجديدة ،يلتقي بشخص من أهل الدوار ، يستوقفه :
من ؟ أأنت عابد ؟
عابد : ماذا ؟ هل يؤلمك أن أرتدي لباسا جديدا ؟
هههههههههه، هههههههههه،ما هذا اللون ؟؟؟؟هاهاهاهاها.
عابد : هاهاهاهاهاهاها، هاهاهاهاهاها ، تبا لك ، سوف أشتكيك للسيد الرئيس ، تتهكم من لون حزبه.
هاهاهاهاهاهاهه ،السيد الرئيس ؟؟ أي رئيس ؟
**********
منظر داخلي لبيت عائلة سعاد ( سعاد فتاة أنيقة وجميلة ) تجلس سعاد رفقة صديقتها فاطمة تستمتعان بمشاهدة شريط غنائي ..
سعاد : متى ستقيمون حفل زفاف أختك ؟
فاطمة : حفل زفاف ؟ لا ، أختي وخطيبها قررا عدم القيام بحفل كبير ، ربما نقيم حفلة صغيرة فقط ، هما يفضلان توفير المال لتأمين حاجياتهما المستقبلية ببيت الزوجية.
سعاد : ماذا ؟ أنا لن أرضى بمثل ذلك ، إن لم أحتفل بزفافي بشكل فاخر ، فسأستغني عن الزواج بالمرة.
فاطمة : يا سعاد ، أنت تعرفين الأعراس ، والناس ، حتى وإن أقمت حفلة بالقمر ، سوف لن تقنعين الناس ، لابد من أنم يجدوا عيوبا يذكرونها
سعاد : لا ، لا ، وأكثر من هذا فانا درست مدونة الأسرة جيدا ، وسأفرض تطبيقها فيما بيني وبين زوجي ، لن أدع حقوقي تهضم بأي شكل
فاطمة : مدونة الأسرة ؟؟ مجرد كلام
توقف حديثما بمجرد دخول ام سعاد والتي خاطبتهما :
أنتما محظوظتان ، تنعمان بالراحة فيما والدتيكما تعانيان حر الشمس ووعرة المسالك لجلب الماء .
سعاد : أطال الله في عمرك ماما.
أم سعاد : آه ، يابنتي ، الآن لا مشكل لدي في خدمتك ، ولكن ماذا ستفعلين يوم تتزوجين ؟ هل سأرافقك إلى بيت زوجك لأخدمك ؟
فاطمة : حينها يا خالتي ، ستتعلم كل شيء بمفردها وستجتهد في القيام بخدمة نفسها وزوجها
سعاد : ماذا ؟ خدمة الزوج ؟ هل سيتزوجني أم سيجعلني خادمة لديه.
فاطمة : لا يا سعاد ، لست متفقة معك ، فالزوج مهما كان لابد وأن تخدمه زوجته ، هذا ما تعلمناه من والدينا وأسلافنا.
سعاد : ( تهز كتفيها باستهزاء ) ثم ترتمي في حضن أمها كطفلة صغيرة وتقول : لن تتركيني اخدم أحدا يا ماما ؟ أليس كذلك ؟
أم سعاد : لا تخافي يا ابنتي ، أنا سأخدمك .
فاطمة : ( تنظر إلى سعاد بشكل احتقاري) ثم تقول : سأترككما حان وقت الغداء .
غادرت فاطمة ورافقتها سعاد إلى خارج المنزل حيث وجدتا الأستاذ حمان يحمل قنينة فارغة ويتوجه نحوهما:
السلام عليكم
( ردت سعاد فيما فاطمة غادرت وهي تلتفت إليهما) : وعليكم السلام
حمان :أنا حمان ، أستاذ بالإعدادية ، من فضلك ، أحتاج لقنينة ماء ، فسيارتي تعطلت بالقرب منكم ولم أجد مكانا آخر لجلب الماء.
سعاد : أنت هو الأستاذ حمان ؟ سمعت عنك.. ( تبتسم) ثم تقول: دقيقة وأجلب لك ماء.
حمان ( ينظر إلى سعاد بنظرات تأمل): شكرا، سأنتظرك
خر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ