شعب يتوق لماضي سلفه
كتبهااحمد إدبوقري ، في 2 يونيو 2008 الساعة: 12:19 م
شعب يتوق لماضي سلفه
وأنا جالس بمقهى شعبي قريب من مسكني ،أحتسي فنجان قهوة وأطالع بعض الجرائد اليومية ، أثار انتباهي حديث ثلاثة شبان ورجل يناهز عمره الخمسين جالسين بالقرب مني ، تظاهرت بعدم الإهتمام لحديثهم وأدني كلها إصغاء ، كان الأربعة يتحدثون بحماس وكل منهم يحاول جاهدا الدفاع عن رأيه ، قال أحدهم : إن الحكومة تقصد بقرارها زيادة ساعة للساعة العادية أن تقول لكل المطالبين بالزيادة في الأجور : هذه الزيادة هي الوحيدة التي نقوى عليها هذه الساعة ، ناصره الثاني قائلا : إنهم أرادوا أن يقولوا لنا استفيقوا عوض السادسة الخامسة ، وناموا عوض العاشرة التاسعة ، فالمردودية مضمونة “بالفياق بكري والنعاس بكري ” ، ونطق ذو الخمسين قائلا ، الساعة ساعة الله ، ليس لأحد أن يغيرها ،الله يزيدنا فالعمر وطاعة الله ، تدخل الرابع قائلا : والله هذه البلاد لم نعد نطيق الإستمرار في العيش على أرضها ، الأسعار في تزايد يوما عن يوم ، والأجور تأبى إلا أن تبقى جامدة دون حركة ، والمسؤولين لا يأبهون لأنيننا ،ومع ذلك لا يخجلون من اللجوء إلينا عند حاجتهم ، لم لا يستفيق المغاربة من نومهم ، ويتنكروا لكل من يسير شؤونهم إلى الأبد ، فيحجموا عن أية مشاركة سياسية ، ويستغنوا عن أية معاملات إدارية ، ويلجؤوا إلى الكهوف والغابات كما مضى من القرون الخوالية ، ويعانقوا ركوب الخيول والحمير والجمال ، ويستبدلوا كل جديد بقديم ولو كان محال ، ويفتحوا في كل ناحية كتابا بدل مدرسة ، ويؤاجروا الفقيه بالشعير والبيض وكل ما يؤكل ويصلح للعيال ، فقاطعه الأول : أأنت على وعيك أم قد أصابك الحمق والهذيان ؟ هل ترك العباد الأرض لتنزل عليها الأمطار كما كان ؟ ومن غير غيث كيف لي ولك أن نقتات من العشب ومما تنبته الجنان ؟ ثم من أين لي ولك بالخيول والجمال ؟ عاد كبيرهم سنا ليقول : مع كل منكما الحق فيما قال ، فماضيا كان أجدادنا بخير وعلى أحسن الأحوال ، بالرغم من غياب اية وسائل وإمكانيات ، أما اليوم وقد شاهد العالم بأسره تطورات ، فقد بات صعبا على أي كان العيش ومواكبة التغيرات ، كل شيء قد طاله الإستبدال ، حتى الماء كنا نشربه عذبا صافيا ، أما اليوم فقد فقد طعمه بسبب المبيدات ، وكل طعام تغير ذوقه ، ولم تعد للحياة أية نكهة ، كان أحدنا إذا ما نوى إعداد الشاي، شم رائحته الراعي على الجبل وهو ينفخ الناي ، أما اليوم فلا معده شم رائحته ، ولا شاربه استشعر نكهته وحلاوته ، تدخل آخر وقال : ماذا بنا نتحدث كما لو أننا نحمل هم كل العباد ، نحن في زمن كل يتدبر أمره بمزاجه ، فلا قانون يسري وقت الإفتقار ، وكل يسلب ما بدا له وينهب ، ومن لم يجد فيرشي بما وجد كي يجد ، ففي المغرب باثت الرشوة خير ما يمد الجيب بالأموال ، فإن لم تكن راشيا كن مرتشيا ، وإن لم تجد فأن تكون وسيطا يكسبك النصيب
في هذه اللحظة يفسد علي صديق الإستمتاع بسماع ختام عشوائية وعفوية هذا الحديث ، فقمت من مكاني مسرعا رفقة صديقي لحضور ندوة صحفية تقيمها إحدى الجمعيات بمناسبة استعدادها لتنظيم مهرجان غنائي يخفف عن الشعب همومه وينسيه مآسيه
بدا لي كل شيء بالقاعة منظم ومرتب ، والمنظمون في كامل أناقتهم ، ولا لغة غير الفرنسية تسمعها ، إلا كلمات من حين لآخر حيث لا ترجمة تناسبها ، اجتهد كل في تقديم عرضه ، واستعين بالسبورة الإلكترونية لمزيد من التفصيل ، وأكد الكل على أن المدينة ستشهد عرسا كبيرا وهاما ، وأن كبار المغنين آثون لبعت الفرحة في قلوبنا ، فقلت هذا ما ينقص شبابنا، ليمت من يشاء ويقاوم الموت من شاء ، فبلدنا يحبنا ويريدنا دائمي الفرحة والسرور ، ومن لم يرض بما هو كائن يذهب إلى الجحيم
فيا وزراءنا : اطمئنوا فنحن تعلمنا الصمت مند السنوات الأولى من ولوجنا مدارسكم ، وحتى إذا ما تكلم أحدنا فمنا من تعلم التبليغ بما قيل ولو في سر ، تعلمنا أن حيوط منازلنا لا تستر غضبنا إذا غضبنا ، تعلمنا أن نكون مهذبين مدلولين ، تعلمنا أن نقبل كلما قررتموه دون رأي
اطمئنوا فنحن وإن ساندنا من ثار في وجوهكم لحظة سرعان ما نتخلى عنه بمجرد قدوم رجال أمنكم لاعتقاله.
اطمئنوا فنحن مهما بلغ لدينا الألم لا ننقض إلا على أمثالنا أما أنتم فحتى وإن صفعتمونا على خد ندير لكم الخد الثاني بكل طواعية ورضى .
اطمئنوا فإننا نربي أبناءنا على طاعتكم ولو أننا ندرك أنكم تربون أبناءكم على نهب أموال الدولة وتريدونهم أن يجعلوكم قدوة لهم .
اطمئنوا فنحن لا نطمع في خلافتكم يوما ، ولا في استبدالكم لأننا جربنا الكثيرين والنتيجة دائما هي نفسها
لن نسأل الله لكم العقاب اليوم ولكن نسأله أن يؤجل لكم العذاب
هذا لأننا نحبكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




































يونيو 3rd, 2008 at 3 يونيو 2008 8:38 ص
العزيز أحمد …
كلماتك ذكرتني بكلمات للكاتب الكبير محمد الماغوط يقول :
نريد أن نعرف لماذا كل الاطفال سعداء إلا أطفالك
وكل الغابات خضراء إلا غاباتكم
وكل الشيوخ محترمون إلا شيوخكم
وكل النساء مصونات إلا نساءكم
وكل الشهداء مقدسون إلا شهداءكم
وكل الجباه شامخة إلا جباهكم
وكل الطيور مغردة إلا طيوركم
ولماذا تكثر جيوشكم وتكثر هزائمكم
وتكثر هزائمكم وتكثر أوسمتكم
وتكثر ثرواتكم ويكثر جياعكم
ويكثر أطباؤكم ويكثر موتاكم
ويكثر مهرجوكم وتكثر دموعكم …
من خلال كلماتك أجبت عن هذه الاسئلة ولكن ترى :
سنبقى نتساءل ونجيب ولا نغير الاسئلة ولا الاجابات
هذا هو السؤال الاهم ؟
رائع ما كتبت
دمت بخير
يونيو 3rd, 2008 at 3 يونيو 2008 9:31 ص
الأخت إلينا :
سررت بزيارتك وبكلماتك الرائعة ، أسئلة كاتبنا الكبير الماغوط أسئلة حاملة لأجوبة كافية ، فعلا هذا حال أوطاننا العربية عامة ، متناقضات ومتناقضات .ذ
تحية شكر .
أعتز برأيك .
وليستمر التواصل .
يونيو 5th, 2008 at 5 يونيو 2008 11:36 ص
أحمد ، يا أحمد ،
أصدقك القول أنني قرأت المقال و كلي إعجاب بعمق الفكرة الرئيسية، و جمالية الأسلوب ….أمنيتي الآن أن يقرأ كل المغاربة مقالك …و أن يتسفيقوا …قال سيادنا اللوالا
الفياق بكري بالذهب مشري…و هم عنوا بذلك ما عنوا…
أحي كل حرف كتبته و كل فكرة سطرتها
دام لك النور و النقاء
تحيتي الشاسعة
يونيو 5th, 2008 at 5 يونيو 2008 12:56 م
أديبتنا المتألقة
تحية شكر لك على رقة كلماتك ومواقفك المشجعة
دمت ودام لك التألق والنقاء